محمد بن جرير الطبري

479

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

عما هو صانع إذا هو غير وبدل حكم آية أن يعقب ذلك بالخبر عما هو صانع ، إذا هو لم يبدل ذلك ولم يغير . فالخبر الذي يجب أن يكون عقيب قوله : ( ما ننسخ من آية ) . قوله : أو نترك نسخها ، إذ كان ذلك المعروف الجاري في كلام الناس . مع أن ذلك إذا قرئ كذلك بالمعنى الذي وصفت ، فهو يشتمل على معنى " الإنساء " الذي هو بمعنى الترك ، ( 1 ) ومعنى " النَّساء " الذي هو بمعنى التأخير . إذ كان كل متروك فمؤخر على حال ما هو متروك . * * * وقد أنكر قوم قراءة من قرأ : ( أو نَنْسها ) ، إذا عني به النسيان ، وقالوا : غير جائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نسي من القرآن شيئا مما لم ينسخ ، إلا أن يكون نسي منه شيئا ، ثم ذكره . قالوا : وبعد ، فإنه لو نسي منه شيئا لم يكن الذين قرءوه وحفظوه من أصحابه ، بجائز على جميعهم أن ينسوه . قالوا : وفي قول الله جل ثناؤه : ( وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ) [ الإسراء : 86 ] ، ما ينبئ عن أن الله تعالى ذكره لم ينس نبيه شيئا مما آتاه من العلم . * * * قال أبو جعفر : وهذا قول يشهد على بطوله وفساده ، الأخبار المتظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بنحو الذي قلنا . 1769 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال ، حدثنا أنس بن مالك : أن أولئك السبعين من الأنصار الذين قتلوا ببئر معونة ، قرأنا بهم وفيهم كتابا : " بلغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا " . ثم إن ذلك رفع . ( 2 )

--> ( 1 ) قد رد أهل اللغة أن يكون الإنساء بمعنى الترك ، وقالوا : إنما يقال نسيت : إذا تركت ، لا يقال : أنسيت ، تركت . وانظر ما جاء في ذلك في اللسان ( نسي ) ، وسائر كتب التفسير . ( 2 ) الحديث : 1769 - يزيد بن زريع - بضم الزاي - العيشي : ثقة حافظ حجة ، روى عنه شعبة والثوري وغيرهما من الكبار . مترجم في التهذيب ، والكبير 4 / 2 / 335 ، وابن سعد 7 / 2 / 44 وابن أبي حاتم 4 / 2 / 263 - 265 . وسعيد : هو ابن أبي عروبة . وهذا الحديث مختصر من حديث لأنس ، في قصة القراء الذين قتلوا في بئر معونة . ورواه الأئمة عن أنس ، من أوجه مختلفة . فمن ذلك : أنه رواه البخاري 7 : 297 ( فتح الباري ) ، عن عبد الأعلى بن حماد ، عن يزيد بن زريع ، بهذا الإسناد . وفي آخره : " قال أنس : فقرأنا فيهم قرآنا ، ثم إن ذلك رفع : بلغوا عنا قومنا ، أنا قد لقينا ربنا ، فرضي عنا وأرضانا " . وروى مسلم 1 : 187 - 188 ، من رواية مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس . وانظر تفصيل ذلك في تاريخ ابن كثير 4 : 71 - 74 .